المركزي تحت المجهر.. 1% خفض محتمل يغيّر خريطة التمويل
على بُعد ساعات من اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، تتصاعد وتيرة الترقب في الأوساط المصرفية والاستثمارية، انتظارًا لقرار يُعد من أكثر القرارات تأثيرًا في المشهد الاقتصادي خلال الربع الأول من العام. فالسؤال لم يعد هل يتحرك «المركزي»، بل كيف سيتحرك؟ وهل يمنح الاقتصاد جرعة تيسير جديدة أم يفضل التريث.
الاجتماع المرتقب يأتي في مستهل عام 2026، بعد عام شهد تحولًا واضحًا في بوصلة السياسة النقدية، إذ اتجه البنك المركزي خلال 2025 إلى خفض أسعار الفائدة بإجمالي 7.25% عبر خمس اجتماعات متتالية، ليستقر عائد الإيداع عند 20% والإقراض عند 21%. خطوة عكست توجهًا لدعم النشاط الاقتصادي بعد فترة مطولة من التشديد النقدي.
الخبير المصرفي محمد عبد العال يرى أن المشهد منقسم بين اتجاهين؛ الأول يميل إلى التثبيت تحسبًا لأي ضغوط تضخمية محتملة خلال شهر فبراير، خاصة مع العوامل الموسمية المرتبطة بزيادة الطلب في رمضان، وارتفاع أسعار بعض السلع مثل السجائر والهواتف المحمولة. كما أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة قد تدفع إلى الإبقاء على جاذبية الجنيه كوعاء ادخاري مستقر.
في المقابل، يشير عبد العال إلى أن مؤشرات عدة تدعم استكمال دورة الخفض، من بينها تحسن أداء الجنيه، وارتفاع الاحتياطي النقدي، وزيادة صافي الأصول الأجنبية بالبنوك، إضافة إلى استمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي غير المباشر، وهي عوامل تمنح صانع القرار مساحة حركة أوسع.
أما الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح، فيرجّح خفضًا بنسبة 1% خلال الاجتماع المرتقب، مستندًا إلى بيانات أظهرت تراجع التضخم السنوي إلى 12.3% في ديسمبر 2025، بينما بلغ التضخم الأساسي 11.8%. ورغم استمرار الفجوة بين المعدلات الحالية ومستهدف البنك المركزي البالغ 7% ±2% بنهاية الربع الرابع من 2026، فإن الاتجاه العام للتضخم يعزز احتمالات التيسير.
كما أن ارتفاع الاحتياطيات الدولية إلى 52.6 مليار دولار في يناير 2026، واستقرار متوسط سعر الصرف عند 47.22 جنيهًا مقابل الدولار، إلى جانب تراجع نسبة الدين العام إلى 85.6% من الناتج المحلي الإجمالي، جميعها مؤشرات تعزز قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرار خفض دون الإخلال بالاستقرار النقدي.
في النهاية، يقف «المركزي» أمام معادلة دقيقة: موازنة دعم النمو وتحفيز الاستثمار من جهة، والحفاظ على السيطرة على التضخم واستقرار الأسواق من جهة أخرى. القرار المرتقب لن يكون مجرد تحريك لنسبة مئوية، بل رسالة واضحة عن اتجاه السياسة النقدية في المرحلة المقبلة، ورسالة طمأنة للأسواق بأن إدارة الملف الاقتصادي تسير بخطى محسوبة نحو الاستقرار المستدام.



